محمد بن جرير الطبري
402
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الصَّابِرِينَ قال : واجتمع أمرهم وكانوا جميعا ، وقرأ : وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ وبرز جالوت على برذون له أبلق ، في يده قوس ونشاب ، فقال : من يبرز ؟ أبرزوا إلي رأسكم ، قال : ففظع به طالوت ، قال : فالتفت إلى أصحابه فقال : من رجل يكفيني اليوم جالوت ، فقال داود أنا ، فقال تعال ، قال : فنزع درعا له ، فألبسه إياها ، قال : ونفخ الله من روحه فيه حتى ملأَه ، قال : فرمي بنشابة ، فوضعها في الدرع ، قال : فكسرها داود ولم تضره شيئا ثلاث مرات ، ثم قال له : خذ الآن ، فقال داود : اللهم اجعله حجرا واحدا ، قال : وسمى واحدا إبراهيم ، وآخر إسحاق ، وآخر يعقوب ، قال : فجمعهن جميعا فكن حجرا واحدا ، قال : فأخذهن وأخذ مقلاعا ، فأدارها ليرمي بها ، فقال : أترميني كما ترمي السبع والذئب ، أرمني بالقوس ، قال : لا أرميك اليوم إلا بها ، فقال له مثل ذلك أيضا ، فقال نعم ، وأنت أهون علي من الذئب ، فأدارها وفيها أمر الله وسلطان الله ، قال : فخلى سبيلها مأمورة ، قال : فجاءت مظلة فضربت بين عينيه حتى خرجت من قفاه ، ثم قتلت من أصحابه وراءه كذا وكذا ، وهزمهم الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : لما قطعوا ذلك يعني النهر الذي قال الله فيه مخبرا عن قيل طالوت لجنوده : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ وجاء جالوت وشق على طالوت قتاله ، فقال طالوت للناس : لو أن جالوت قتل أعطيت الذي يقتله نصف ملكي ، وناصفته كل شيء أملكه ، فبعث الله داود ، وداود يومئذ في الجبل راعي غنم ، وقد غزا مع طالوت تسعة إخوة لداود ، وهم أند منه وأعتى منه ، وأعرف في الناس منه ، وأوجه عند طالوت منه ، فغزا وتركوه في غنمهم ، فقال داود حين ألقى الله في نفسه ما ألقى وأكرمه : لأَستودعن ربي غنمي اليوم ، ولآتين الناس فلأَنظرن ما الذي بلغني من قول الملك لمن قتل جالوت ، فأتى داود إخوته ، فلاموه حين أتاهم ، فقالوا : لم جئت ؟ قال : لأَقتل جالوت ، فإن الله قادر أن أقتله ، فسخروا منه . قال ابن جريج : قال مجاهد : كان بعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته ، فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات ، ثم سماهن إبراهيم وإسحاق ويعقوب . قال ابن جريج : قالوا : وهو ضعيف رث الحال ، فمر بثلاثة أحجار ، فقلن له : خذنا يا داود فقاتل بنا جالوت . فأخذهن داود وألقاهن في مخلاته ، فلما ألقاهن سمع حجرا منهن يقول لصاحبه : أنا حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا وكذا ؛ وقال الثاني : أنا حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا ؛ وقال الثالث : أنا حجر داود الذي أقتل جالوت ، فقال الحجران : يا حجر داود نحن أعوان لك ، فصرن حجرا واحدا ؛ وقال الحجر : يا داود اقذف بي فإني سأستعين بالريح ، وكانت بيضته فيما يقولون والله أعلم فيها ستمائة رطل ، فأقع في رأس جالوت فأقتله . قال ابن جريج : وقال مجاهد : سمى واحدا إبراهيم ، والآخر إسحاق ، والآخر يعقوب ، وقال : باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وجعلهن في مرجمته . قال ابن جريج : فانطلق حتى نفذ إلى طالوت ، فقال : إنك قد جعلت لمن قتل جالوت نصف ملكك ونصف كل شيء تملك . أفلي ذلك إن قتلته ؟ قال : نعم ، والناس يستهزءون بداود ، وإخوة داود أشد من هنالك عليه ، وكان طالوت لا ينتدب إليه أحد زعم أنه يقتل جالوت إلا ألبسه درعا عنده ، فإذا لم تكن قدرا عليه